• ×

النشرة البريدية

Rss قاريء

"سرديات الجنون" إصدار جديد للمتوكل طه .. حكايات تقدم الفانتازي والأسطوري والمدهش

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 صدر حديثا عن دار الكرامة، في مدينة رام الله بالضفة الغربية، كتاب جديد للشاعر الفلسطيني الدكتور المتوكل طه، يحمل اسم ( سرديات الجنون).يقع الإصدار الجديد الذي يعتبر، المؤلف الواحد والثلاثين للشاعر طه، بين ديوان شعري، ونص نثري، ودراسة وبحث أكاديمي، في 175 صفحة من القطع المتوسط.


(سرديات الجنون)، كتاب يناول ثلاثأ وعشرين شخصية فلسطينية، أصيبت بالجنون بفعل إجراءات الاحتلال الإسرائيلي، وهي شخصيات حقيقية من لحم ودم هي معروفة يعود تاريخ بعضها إلى عام النكبة الفلسطينية، وفقاً لما صرح به الشاعر المتوكل طه لـ"الوكالة" في مقابلة أجرتها معه في وقت سابق كشف فيها عن الكتاب.


ويستهل المؤلف كتابه بمقدمة جدلية تصدم القارئ باتجاه انه أمام شكل جديد في الكتابة ذات صلة بالحركة السريالية التي عاشتها أوروبا إبان الحرب العالمية وأثرها، حيث أدت ويلات الحروب وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، إلى نوع من الكفر بالعقلانية التقليدية والتوجه في مختلف صنوف الفن نحو خلط الأوراق وكسر القواعد والأعراف الفنية إضافة لابتكار موضوعات جديدة ينظر لها من زاوية غرائبية .


ويلاحظ أن هاجس هذا الكتاب يرتكز أساساً على المجانين وأحاديث الجنون التي ارتبطت بنكبة عام 1948 ونكسة العام 1967 والانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية وأحداث مخيم جنين. وحالات الذهول والبطولة والشموخ والانهيار وأحاديث الوهم التي شهد العشرات على صحتها. بل وأنهم رأوها بأمهات عيونهم.


تشتمل مقدمة الكتاب التي أطلق عليها المؤلف اسم (نص الدخول) على مجموعة من الروايات المتناقضة التي تتناول أسانيد هذه الأحاديث الغرائبية، وكل رواية منها توحي للقارئ بمنطلق مختلف للفهم، بما يضعه في متاهة حقيقية تقوده تاليا إلى قناعة بأنه في هذا الكتاب بمثابة كاتب ثان لا قارئ، وانه لم يجلس على مقعد وثير ليستمع فيه باسترخاء إلى نص يسير بانسيابية مياه الجداول، بل انه على الأرجح سيكون عليه التنصت على قرقعات جداول تبدو مساراتها بباطن الأرض، وعليه أن يهتدي إلى خارطة مفترضة لمساراتها.


يضم الكتاب ثلاثا وعشرين سردية أو حكاية غرائبية، مختلفة في بنيتها كثيرا عن أسس القصة القصيرة التي تقوم على التقتير والتقطير في التعامل مع الألفاظ، وعلى الحسابات الدقيقة والعميقة لكل حركة وسكنة وهمسة، فهي تستعمل إلى حد ما أسلوب الرواة والحكاءين الذين يطولون ويمهدون ويشوقون ويحللون ويفسرون حكاياتهم، حيث يمكن متابعة الحكاية من ابتداء الكلام أو منتصفه أو آخره.


الجنون لم يسيطر على مضمون الحكايات والسرديات فقط بل على شكل الكتاب من أول مقدمته حتى الفراغات والمساحات الكثيرة المثيرة للارتياب فيما بين الحكايات وفي دواخلها، بل في الأنماط المتعددة للمونتاج ألطباعي، ففي الجزء الثالث (السرديات) يستعمل أسلوب مونتاج غير موجود في الجزء الأول ( نص الدخول) والجزء الثاني (المقدمة )والجزء الرابع (أظن أن )، حيث يتم تقليص مساحة الكتابة في الصفحة الأولى من كل سردية ثم استكمال الصفحات الأخرى بمساحات كتابة اعتيادية.نصوص الكتاب تتضمن انساقاً لغوية شديدة التباين والاختلاف.


الكتاب قدم له الأديب والروائي الفلسطيني، احمد رفيق عوض، الذي عرض للعلاقة بين جنون الحياة والواقع، ليخبر من لا يعلم أن الجنون هو شيء طبيعي ومهم وضروري وشرعي واستراتيجي أيضا.


يقول عوض في تقديمه للكتاب، تحت عنوان (عن كتاب سرديات الجنون للمتوكل طه..الواقع لا يكفي)، :"هذه حكايات أو سرديّات تقدم لنا الفانتازي والأسطوري ظاهرياً، ولكنها، وفي الوقت ذاته تدهشنا بأنها تقدم لنا اليومي والحياتي والمعيشي أيضا، لا فرق بين الأمرين. نحن نعيش الفانتازي والأسطوري يومياً، وبكلمات أخرى، حياتنا لا تستقيم ولا تُعاش ولا تُحتمل دون هذا الاستثنائي والمدهش. حياتنا ليس فيها واقعية كثيرة، وليس فيها استثناءات كثيرة، ولكن هذه الاستثناءات على ندرتها هي التي تعطي المعنى والنكهة".


ويمضي عوض قائلاً عن الكتاب:" هذه صور من الحياة حقيقية، صدقنا ذلك أم لم نصدق، فلا أحد يستطيع أن يقدّم تفسيراً نهائياً، ولا أحد يستطيع أن يصف الحياة وما يمكن لها إن تقدم. وليس هناك شخصيات نمطية، كما أنه ليس هناك حياة نمطية، الحياة أغنى وأعقد مما نعتقد، الحياة أكثر تعقيداً مما نتعلم".


ويضيف قائلاً :" المتوكل طه، بلغته الحارقة والنافذة، وقلبه المتّقد، وعواطفه السيّاحة، يلتقط ما حوله، ومما سمع، ومما عاش، أنماطا تقدم لنا وعيها وحياتها بطريقة استثنائية مدهشة وبالغة الحرقة والألم، والمسألة تتعدى التصديق والتكذيب، أو الحقيقة والواقع، أو الخيال أو التخيّل، المسألة أبعد من ذلك بكثير جداً. ليس كل ما لا نرى هو غير موجود، وليس كل ما نرى هو بالضرورة موجود. وما أصدق مَنْ قال إننا لا نحتاج إلى عينين لنرى.


الجنون – كما تقول هذه الحكايات أو الروايات – جزء لا يتجزأ من الحياة، الجنون بأنواعه، المريضة والواعية والخفيفة والاستثنائية، جزء أصيل من الحياة . لا يمكن الاستغناء عن الجنون، للثورة والكشف والفضح والانفضاح والنقض والمواجهة والقدرة عليها، لا بد من لحظة جنون حتى تستقيم الحياة، وحتى نستطيعها ونحتملها ونراها بألوانها الحقيقية . لا بد من لحظة جنون كاشفة وكاوية ونافذة، ليس للرؤية فقط ولكن من أجل الحياة ذاتها.


هذه حكايات ممتعة، من منطلق أنها تقدم الحياة بوجوه عديدة وطعوم مختلفة وأنماط استثنائية، ومن منطلق أنها تقدم اليومي المعيشي بقالب فانتازي، أو أنها تقدم الفانتازي الغريب بأسلوب الحياة المعيش، وكأنّ لا فرق بين الواقع والخيال، وكان الواقع لا يكفي، وكأن التنميط لا يكفي، وكأن حياتنا كلها لا تكفي. نحن نخص شعباً محتلاً، تضيع فيه بلادنا سنتمتراً سنتمتراً، وفكرة الضياع فكرة مخيفة كالتحديق في الهاوية، وكالسير في عتمة الصحارى التي تأكل السائر في أعماقها، وفي تلك اللحظات، فإن استنهاض العميق الغافي فينا هو من أهم آليات الحماية والرد والصمود والتوازن.


ويختتم عوض تقديمه للكتاب بالقول :"هذه سرديات تقدم الحياة في لحظات الجنون والخيال.. والكثير من الحقيقة .. تماماً كتلك الفتاة التي حدقت في المرآة، فرأت طبقات من أنواع الحيوات المختلفة .. الفتاة لم تستطيع أن تطيق أن هناك غيرها .. لم تستطع أن تهضم أن الآخرين – غيرها – يمكن لهم أن يجنّوا، لم تستطع أن تختبر تلك التجربة.. فكسرت مرآتها .. هذا الكتاب مرآة مثل تلك التي في الحكاية.

بواسطة : rawan
 0  0  281
التعليقات ( 0 )

comments powered by Disqus

سحابة الكلمات الدلالية

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 03:12 صباحًا السبت 10 ديسمبر 2016.