• ×

النشرة البريدية

قائمة

Rss قاريء

هلال الحجري يبتكر طريقة جديدة للأوزان في (العَروض المُغنـَّى)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 هلال الحجري يبتكر طريقة جديدة للأوزان في (العَروض المُغنـَّى)



صدر عن وزارة التراث و الثقافة كتاب جديد للدكتور هلال الحجري الأستاذ المساعد في الأدب المقارن بقسم اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس يحمل عنوان (العروض المغنى: مشروع جديد لتدريس أوزان الشعر العربي). يتكون هذا المشروع من ثلاثة أركان: الركن الأول: وهو إطار نظري عالج فيه المؤلف بعض القضايا النظرية المتصلة بالعروض، ومنها مفهوم العروض وأهميته ونشأته وأسباب صعوبته ومحاولات تيسيره وتجديده والعلاقة بينه وبين فروع اللغة العربية والعلاقة بينه وبين الموسيقى وواقع تدريسه في العالم العربي، والمهارات الأساسية لتعلمه، وأخيراً الطريقة الجديدة المقترحة لتدريسه.

أما الركن الثاني: فهو استقراء لأوزان الشعر العربي الشائعة من خلال القصائد العربية المغناة في العصر الحديث. وفيه حاول الحجري أن يمثل للبحور الستة عشر ومجزوءاتها بنصوص شعرية فصيحة، غناها العديد من المطربي العرب أمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وفيروز وغيرهم. وهي خطوة جديدة على العروض الذي غالى فيه أهله بالتجريد الصرفي والشواهد الشعرية الجافة المكرورة من لدن الخليل بن أحمد إلى عصرنا الحاضر. وهي فكرة انتصر المؤلف لها من خلال الإطار النظري لهذا المشروع، وتهدف إلى رد هذا الفن إلى أصوله الموسيقية التي ضاعت في خضم القواعد والتجريد.

ويقول الحجري: لا أعتقد أن هناك طريقة سحرية يمكن أن تكون المثلى في تسهيل العروض، إلا أن الاقتصار على الطريقة الشائعة في كتب العروض وهي طريقة التقطيع محفوف بالصعوبات. وعليه فإني أقترح طريقة أخرى علّها تكون أسهل من طريقة التقطيع المتبعة في كتب العروض، وإن كنت لا أعتقد أنها السبيل الوحيد لتسهيل هذا العلم، فالدراسات التجريبية وحدها الكفيلة بكشف المفاضلة بين هاتين الطريقتين، وعلى أستاذ العروض أن ينوع بينهما في تدريسه، فإن ذلك قد يخفف من وطأة التقطيع ومشقته على الطلاب. والطريقة المقترحة أسميها (الطريقة الغنائية)، وقد استوحيت النواة الاؤلى لهذه الطريقة من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، فإن هذا الكتاب قد زاوج بين فني الغناء والعروض مؤكداً وحدة المنطلق بينهما وهي الإيقاع والموسيقى.

ومحتوى هذه الطريقة المقترحة يتلخص في إمكانية عرض الأوزان الشعرية على الطلاب مقرونة بلحن الأغنيات الشائعة بين الناس، فإن كثيراً من أوزان البحور في الشعر العربي، قد لحنت قصائد على وزنها، وغناها فنانون مشهورون، وقد انتشرت هذه القصائد ملحنة يرددها كثير من الناس، ومن أمثلة ذلك: من بحر الطويل غنت هيام يونس (تعلق قلبي طفلة عربية تنعم بالديباج والحلي والحلل) ومن بحر الكامل غنى محمد عبدالوهاب (يا جارة الوادي طربت وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراك) ومن بحر البسيط غنت فيروز (يبكي و يضحك لا حزنا ولا فرحا كعاشق خط سطرا في الهوى ومحا) ومن بحر الوافر غنت أم كلثوم (أكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك و أنت مني) ومن بحر الخفيف غنى محمد عبده (عذبةٌ أنتِ كالطفولة كالأحلام كاللحن كالصباح الجديد) ومن بحر المتدارك غنت فيروز (يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده) ومن بحر الرمل غنت أم كلثوم (يا فؤادي لا تسل أين الهوى كان صرحا من خيال فهوى) ومن مجزوء الخفيف غنى محمد عبدالوهاب (جفنه علم الغزل و من الحب ما قتل) ومن مجزوء الكامل غنى فريد الأطرش (عش أنت إني مت بعدك وأطل إلى ما شئت صدك) ومن مجزوء الرمل غنت فيروز (أعطني الناي وغني وانس داء ودواء) فإذا ما درب الطلاب تدريباً حسناً على هذه الطريقة، وذلك بعرض أبيات الشعر المختلفة على ألحان القصائد المغناة التي يحفظونها فإن ذلك سيساعدهم على اكتشاف وزن البيت بمجرد سماعه أو قراءته تماماً كما يتعرف الطلاب - اليوم - إلى ألحان الأغاني بمجرد سماعهم لها من أول وهلة.

وأعتقد أن هذه الطريقة تستند إلى أساس علمي واضح وهو أن العروض والغناء صنوان، كلاهما فن سماعي، ولربما ضاعت هذه الحقيقة في خضم التجريد الذي لحق بالعروض كما لحق بعلوم العربية الأخر من نحو وصرف وبلاغة.

ويمكن استخدام هذه الطريقة على النحو الآتي: إذا أراد المتعلم أن يستخرج وزن البيت الآتي - مثلاً - لأبي مسلم البهلاني (بنا ظمأ اللقيا ونارٌ من الأسى ولولا التأسي ذاب من حَرِّها الجبلْ) فيكفيه أن يعرض هذا البيت على ألحان نماذج الأغاني التي يحفظها والتي سبق أن تدرب عليها أثناء الدراسة ويفضل أن تكون النماذج الغنائية مما يلتقي فيه التلحين مع التقطيع العروضي أحياناً، فإذا افترضنا أن من بين النماذج التي يحفظها للبحر الطويل هي أغنية هيام يونس (تعلق قلبي طفلة عربية) فإنه بمجرد أن يحاول المتعلم غناء البيت السابق لأبي فراس بنفس اللحن الذي تغنيه هيام يونس، سيكتشف أن البيت يتسق مع لحن الأغنية، فإذا هو من بحر الطويل، دون أن يمر بتلك الخطوات الصعبة في عملية التقطيع التي يعاني منها حتى المتخصصون في العروض. والفلسفة التي تنطلق منها هذه الطريقة المقترحة لا تدعي أنها أتت ببديل جذري للعروض، كما حاولت بعض محاولات تجديد العروض أن تدعي ذلك، فهي تحافظ على نظام الخليل المحكم من حيث النظرية وتختلف معه من حيث التطبيق فقط، وهو ما نعتقد بأنه الطريق الأجدر بالبحث والتجديد.

والركن الثالث الذي يقوم عليه هذا المشروع هو التدريبات المهارية المتنوعة فقد توصل المؤلف إلى أن مهارة التقطيع الشعري التي هيمنت على كتب العروض ردحا من الزمن، لا تكفي وحدها لاكتساب هذا الفن. فتنمية الإحساس بموسيقى الشعر لا يمكن الوصول إليها عبر التقطيع فحسب، فهناك مهارات متنوعة بسط القول فيها في الفصل الأول من هذا الكتاب، كما أنها مبثوثة في بقية الفصول عقب كل بحر من البحور الشعرية. و قد ارتأى الكاتب من خلال هذه التدريبات أن يفسح مجالا أوسع للشعر العماني، لأنه ظل مقصيا عن كتب العروض من جهة، ولأنه رغب في التجديد والتنويع من جهة أخرى. ولذلك جاءت معظم أبيات الشعر في التدريبات من دواوين الشعر العماني المختلفة، و التي أثبتها في قائمة المراجع.

ويذكر الحجري أن جديد هذا الكتاب يتلخص في: تخليص العروض من أيدي النحاة والصرفيين، بإرجاعه إلى منابعه الموسيقية الأولى. حيث جعل المؤلف من الغناء العربي المعاصر مسرحا لأوزان الخليل، أبطاله مطربي عرب امثال أم كلثوم، وعبدالوهاب وفيروز إذن، ليس في هذا العمل متسع للشواهد الجافة التي تضج بها كتب العروض قديما و حديثا.

ولا يقتصر الكتاب على مهارة التقطيع العروضي كوسيلة وحيدة للوصول إلى وزن البيت الشعري، و إنما يقترح مهارات متنوعة تعين الدارس على تنمية الإحساس بموسيقى الشعر. ويقترح طريقة جديدة لتعلم العروض، تقوم على الغناء أو الترنم. ويفسح مجالا للشعر العماني، الذي ظل مقصيا عن كتب العروض لقرون عدة.

الجدير بالذكر أن الكتاب جاء بمقدمة للشاعر، الأستاذ الدكتور أبي همام عبداللطيف عبدالحليم. ومما قاله فيه: نحن لا ننكر الأخذ بالأساليب المعاصرة، والتسهيل للطلاب - لا للباحثين - لكن شريطة ألا نغذي نحيزة الكسل والاسترخاء، وهي الخيم السائد الآن، في كل حياتنا، وعلى المرء أن يقوم بواجبه قبل أن يطالب بحقه، من هنا يحق له أن نقدم إليه هذا الكتاب (العَروض المُغـَنـّى)، وقد بذل فيه مؤلفه جهدا طيبا محمودا، وأحمد له خاصة التمارين الملحقة بعد كل بحر، ومن ثم تكون فائدة التربية، وهلال متخصص فيها بشهادته الأولى، لكنه المتخصص الشاعر الذي يدرك خطر الوزن، وأنه عدة الأديب والناقد والشاعر والمحقق وكل متخصص في علوم العربية، وحسب هلال ما أراغ في محاولته أن يجعل الوزن فطرة قبل أن يكون مكسوبا، وأن قصائده المختارة مغناة وغير مغناة - هي الذريعة لكسب الآذان، وبعدها الوجدان، وتحية لهلال وكتابه الذي يقيم الميزان.

بواسطة : sadanajd
 0  0  401
التعليقات ( 0 )

comments powered by Disqus
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 12:25 مساءً الإثنين 5 ديسمبر 2016.