• ×

النشرة البريدية

قائمة

Rss قاريء

حائز على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات.. "برتقالة واحدة لفلسطين" الإصدار الأول للكاتب والصحفي الفلسطيني تحسين يقين

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 صدر حديثاً عن دار السويدي للنشر والتوزيع في دولة الامارات العربية المتحدة، كتاب للكاتب والصحفي الفلسطيني تحسين يقين بعنوان "برتقالة واحدة لفلسطين". ولم يقدم يقين نصه هذا كصحفي فقط، بل "كمواطن فلسطيني يعيش النص، ويشارك فيه ولا يقف عند حدّ الوصف". ويمثل الكتاب الذي يعتبر الإصدار الأول للكاتب يقين، رحلة ممتعة رغم ما به من وصف لآلام الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال، حيث تم تجزئة فلسطين، وتقسيمها، ولم يعد الفلسطيني قادرا على التنقل في وطنه كباقي البشر في هذا العالم، نتيجة لعنصرية الاحتلال، والتي بلغت أوجها في بناء الجدار العنصري.

ولعل الكاتب اشتق اسم كتاب رحلاته من برتقال أريحا الواقعة على الضفة الغربية لنهر الأردن، وبرتقال جبال الضفة الغربية، وبرتقال الساحل خصوصا البرتقال اليافيّ الشهير، وذلك على ما يبدو للتدليل على وحدة المكان الفلسطيني رغم ما يحاك ضده من مؤامرات تفتيت وتقطيع أوصاله.

وقال يقين :"إن فلسطين بلد ابتلاها الله عز وجل بكوارث الصراع على أرضها منذ القدم، بفصلها الذي نعيشه منذ قرن أو يزيد حيث تعاقب الاحتلال، الذي يسلمها لاحتلال آخر وصولا لأبغض أنواع الاحتلال الذي رأى في نفسه البديل ونحن الغرباء، صار تنقلنا في بلادنا رحلات، على غير عادة أن الرحلات من المفروض بها أن تكون مسافاتها طويلة وبعيدة؛ الفلسطيني لا يحتاج إلى إجابة، كذلك الذي يطلع على حياتنا هنا عن قرب، حيث ان تنقل الفلسطيني في وطنه صار صعبا ومستحيلا، وهو معرض لخطر الاعتقال أو حتى الإصابة..".

ويمضى الكاتب الصحفي تحسين يقين فيصف تقسيم الشعب الفلسطيني "إلى حملة بطاقات تختلف لقوم هنا عن قوم هناك.. ويقول: "فمثلي كحامل بطاقة هوية الضفة الغربية لا يسمح لي بزيارة القدس مسقط رأسي التي لا تبعد عن قريتي "بيت دقو" سوى 15 كيلو مترا، ولا يجوز لي زيارة قطاع غزة كون وصولي إليه يتطلب عبور أراضي فلسطين المحتلة عام 1948، التي أصلا لا يجوز لي بالطبع زيارتها دون تصريح، وقد مرّت علينا أيام صعبة في الانتفاضة الثانية صرنا نجد زيارة الخليل وبيت لحم ونابلس وجنين بل ورام الله في الضفة الغربية أمرا صعبا دخولا وخروجا..".

وتصور رحلات الكاتب في وطنه آلام الفلسطينيين في التنقل "فلكل فلسطيني هنا حكاياته، أما أنا فعلى مدار السنوات العشر السابقة، ولأسباب نفسية، لخوفي أنه ربما لن يسمح لي بالوصول إلى هذا المكان هنا أو هناك، ولخوفي أن ثغرات التهريب البشري لن تستمر، ومع بناء جدار الفصل العنصري، أصبح تهربي إلى مدينة القدس - وهي المدينة الأولى القريبة للقرويين هنا في منطقتي- أمرا صعبا جدا.. لكل هذه الأسباب وغيرها فقد بدأت الكتابة عن هذه الأماكن، وكنت خلال الرحلات والزيارات أستمتع بتوثيق ما أرى، ربما لأكون شاهدا من شهود مأساة فلسطين، وجرائم الاحتلال في منع تواصل أبناء الشعب الفلسطيني مع بعضهم بعضا، وربما كي أحنّن قلوب أبناء أمتي علينا نحن المحاصرين هنا، فيدعون لنا على الأقل بأن يكون الله معنا في حلّنا وترحالنا وتهرّبنا على جوانب الجدار والأسلاك الشائكة الحاجزة المانعة كثيرة الشفرات الحادة..".

في تنقله وترحاله من مكان إلى آخر في بلاد فلسطين تحت الاحتلال ورغم آلام الطريق واستلابها، كان الكاتب يتعامل مع المكان على أنه وطنه كما ينبغي للوطن أن يكون، "فلا أعود أحس بالحذر وخوف جنود الاحتلال من الإمساك بعاشق من عشاق الوطن، فأنصرف إلى التنقل والحركة، وكثيرا ما عبرت تجمعا للجنود أو لقوات ما يسمى حرس الحدود والشرطة وغيرها.. كنت أحس من داخلي أن هذه البلاد بلادي، فتتقزم الاتفاقيات والحلول السياسية أمام تاريخ المكان العظيم وحضارته العريقة الممتدة منذ بدء المدنية على الأرض، لا بل منذ الحياة الأولى التي كانت في وادي خريتون هناك في المغر القديمة التي سكنتها أقدم التجمعات الحجرية! هناك أحس كم أن الغزاة ضعفاء وكم نحن أقوياء!".

ولم يتعامل يقين مع مدن فلسطين وقراها وريفها ومضاربها وغورها وسهولها وجبالها وتلالها من منظور التقسيمات البشعة للمكان، يقول :"كنت أراه واحدا فردا غير مقطع الأعضاء رغم الحواجز العسكرية التي تفصل البلد الواحد عن نفسه حين عبرها جدار بشع ظالم عنصري حاقد، كلها كانت فلسطين كما نعرفها وكما كانت، لم أستسلم للحظة الراهنة التي قالت: ضفة، وقدس، وداخل..كانت كلها ضفة وكلها قدس وكلها داخل، كلها واحد، المكان هو المكان رغم ما يعتريه من تغيير وتهويد، لكنه كبير وأكبر من تغير معالمه بهذه السهولة، البحر واحد والشواطئ من يافا إلى حيفا إلى عكا..والبحيرات واحدة من طبريا إلى الميت.. والجبال واحدة من جليل أعلى وأوسط وأدنى وجنين وطولكرم وقلقيلية ونابلس ورام الله والقدس وبيت لحم والخليل..والغور واحد من الشمال إلى الجنوب والصحراء والبراري واحدة من برية الخليل حتى النقب..والقدس واحدة غربا وشرقا وضواحي وقرى وراء جدار أو داخله..وكيف لي أن أحس بغير ذلك؟ كيف لي إلا أن أحس بذلك وهذا الغازي من ورائي وأمامي ينفيني خارج المكان ثقافةً وتعاملا وشعورا وقناعات؟ كيف لي وهذا الغازي لا يفرّق بين مكان وآخر حتى أراه وقد استوطن في كل المناطق وسطا على كرمنا الجميل وعلى مشهده، محيل ما اغتصب من جماله إلى طرقات وجدران وأشياك يمر من بينها العصفور بصعوبة تامة...؟".

لأجل ذلك كتب يقين "برتقالة واحدة لفلسطين" التي يؤكد على أنها واحدة :"تلك سخريتي من تقسيمات الغزاة المارين كغيرهم.. فنحن أصحاب المكان الأصليين الذين بقينا في الجبال ننحت كرمنا وزيتوننا، وفي الغور والصحراء نرعى مواشينا والجمال، وفي السواحل نزرع البرتقال، نحن هنا كنا وكان الزيتون والعنب والبرتقال ومواويل فلاح وزغاريد امرأة وأناشيد الرعاة والناي الجميل..".

ومضى يقول بشيء من الأمل المغلف بحزن نبيل: " تجولت في وطني الكبير، فوجدته هو، هناك في الكرمل والجليل، وهناك في القدس والخليل، وهناك في الغور هبطنا ثم ارتقينا حتى الجليل، وصعدنا أرض إخوتنا السوريين في جبل الشيخ والجولان وأطلت النظر.. وحين سحرنا اخضرار الجليل بكينا مخبئين دموعنا في ثنايا قطرات مطر تشريني خفيفة، حيث لم أجد أجمل من هذه البلاد من بلاد، ولم أجد مجالا للردّ إلا بالدموع ..".

وبشيء من الثقة بالوطن يقول :"لقد أراد الاحتلال أن يمزق فلسطين في ذاكرتنا لعلنا نكتفي بجزء ممزق مشتت هنا وهناك، لكن فلسطين تأبى أن تتمزق في الذاكرة، فهي مكانها وإن أصبحنا محرومين من التنقل فيها، ودوما سنجد طريقا نجترحه ولو بين الأشواك".

وختم الكاتب يقول :" ما بين عام 1997 وعام 2007، عشرة أعوام وما لا يحد من مشاعر انتابتني كثيرا، وأنا أتنقل في وطني، تارة سرا، وأخرى على عجل، حتى لا يوقفني غازٍ يدقق في ملامحي وأوراقي، لربما يتكرم عليّ بأن يكتفي بطردي، وأنا ابن شرعي للمكان! والحق أقوله، أنني في كل لحظة حزن، أو بكاء، كنت أذكر إخوتي العرب فأنتعش قليلا، فتأتي لحظات أمل، وكأن يدا من بعيد تكفكف ما انهمر من عبرات على وجنتي، فأقول لنفسي: سيأتون كما أتوا من قبل!".

وهو، أي الكتاب انعكاس لتنقل الكاتب القلق في وطنه، بسبب صعوبة التنقل، وخشيته من الملاحقة، بسبب عدم حصوله على تصريح من السلطات العسكرية؛ كونه يرفض تقديم طلب للسلطات للحصول على مثل هذا التصريح؛ فهو ابن شرعي للمكان لا طارئ عليه. إلا أنه صار يضطر لهذا التصريح بعد إحكام جدار الفصل العنصري حول الضفة الغربية مكان إقامة الكاتب.

تنقل الكاتب من أخفض بقعة بأريحا، جارة البحر الميت، علوا وارتفاعا إلى جبال الجليل وجبل الشيخ، في جزئيه الفلسطيني والسوري، وخلالهما كان قد زار مدن الضفة والساحل.

وقد أفرد الكاتب للقدس أهمية خاصة، حيث ركز عليها، وصفا لمكانها وبشرها، ومناسباتها، وإجراءات الاحتلال فيها، معرجا على جبالها وبريتها، مطعما في الوصف مشاعره ومستخدما جماليات لغوية وحقائق تاريخية ومعلومات مختلفة.

ويبدو نصه حول حيفا بشكل خاص نصا ملفتا للنظر، فلم يكتف الكاتب بوصفه للمكان، بل راح يزاوج ما بين وصف الآن من خلاله، ووصف الماضي من خلال إيراد اقتباسات من حيفاويين مثل العلامة الراحل د. إحسان عباس، وآخرين كتبوا عنها مثل الراحلين إميل حبيبي وغسان كنفاني..بقصد إظهار أن المكان كان معمورا يعج بالحداثة الفلسطينية، كما في سائر فلسطين، ودحضا للرؤية الصهيونية التي ما زالت تسوق فكرة أن فلسطين كانت أرضا بدون شعب.

واستخدم الكاتب لغةً واضحةً سهلةً لا تخلو من جماليات مؤثّرة، ومشوّقة، خصوصا في وصف المكان بما فيه، من خلال انسياب تداعيات زمانية وتاريخية وثقافية عن المكان. لذا فإن الكتاب هو كتابة عن قرب في فلسطين وعنها ولها، حبا وانتماء من جانب، وبعث رسالة للفلسطينيين والعرب من أجل تذكر دائم للفردوس الفلسطيني.

يذكر أن الكتاب حاز مؤخراً، على جائزة ابن بطوطة في أدب الرحلات، التي تنظمها دار السويدي في الامارات.

وذكرت لجنة تحكيم الجائزة في بيانها حول الكتاب :"هذه رحلة صحافي فلسطيني يتسلل إلى القدس ليتجول في ربوعها ويكحل عينيه بمساجدها وكنائسها وحاراتها..ولا يتوقف عن التدوين، كل ما يراه يأخذ طريقه إلى أوراقه، حتى لكأنه يسجل الصورة الأخيرة لمدينة سيبتلعها حوت، ومن القدس ينطلق في جولات على مدن بلاده الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال من النهر إلى البحر...في هذه اليوميات، نقع على الانطباعات الشخصية، والملاحظات والوصف والتأريخ اليومي. إنه كتاب يريد أن يقبض على مكان هارب، كتاب لقاء مع المكان محكوم بالإحباط..فلا مجال للبقاء هنا..في هذه البلدة الفلسطينية أو تلك؛ فالكاتب الذي تمكن أن يغادر من رام الله إلى حيفا لا يفعل إلا ما يضاعف من الم الشعور بالخسارة. إنه كتاب يذكرنا بقوة ان الشعب الفلسطيني والهنود الحمر ومواكب الأرقاء المخطوفين من أفريقيا ضحايا أبشع حرب إبادة في التاريخ، يلتقون جميعا في أهوال تلك التراجيديا البشرية. فما زالت الدماء تقطر من حراب الرجل الأبيض سليل المدنية الأوروبية والاستعمار الاستيطاني في أبشع صوره. وقد تم منح هذه اليوميات جائزة ابن بطوطة للرحلة الصحفية لما تتيحه للقارئ المعاصر من صور متصلة لفلسطين وانطباعات صادقة وحقائق صادمة عن حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال العنصري لفلسطين".

وذكر الشاعر السوري نوري الجراح المشرف العام على المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق أن جائزة ابن بطوطة والتي أصبح عمرها 6 أعوام، انطلقت عام 2003 بهدف تشجيع أعمال التحقيق والتأليف والبحث في أدب السفر والرحلات واليوميات، برعاية الشاعر الإماراتي محمد السويدي.

بواسطة : rawan
 0  0  227
التعليقات ( 0 )

comments powered by Disqus
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 10:20 مساءً الأحد 4 ديسمبر 2016.