• ×

النشرة البريدية

قائمة

Rss قاريء

الآثار الشعرية لريلكه تصدر في ترجمة عربية عن مشروع "كلمة" في أبوظبي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 أتاح مشروع "كلمة" للترجمة بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، للقارئ العربي الاطلاع على كامل المجموعات الشعريّة التي نشرها بالألمانيّة الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه (1875-1926)، إذ صدرت الترجمة عن المشروع في ثلاثة أجزاء عن اللّغة الأصليّة، قام بها وقدّم لها الشاعر العراقيّ المقيم بباريس كاظم جهاد، ومهّد لها بدراسة ووضع حواشيها الناقد النمساويّ وأستاذ الآداب الألمانية والنمساويّة في جامعة السّوربون الجديدة بباريس البروفسور غيرالد شتيغ.

وأوضح مشروع "كلمة" أنه ومع صدور هذه الترجمة التي حرصت على مواكبة إيقاعات ريلكه وصوَره واستعاراته وتحليقاته الفكريّة بأكثر ما يمكن من القرب، والمدعومة بحواشٍ نقديّة رصينة وعميقة، يُتاح للقارئ العربيّ أن يقف على عطاء شاعر بقي يمارس على الشعراء والقرّاء العرب منذ ستينيّات القرن المنصرم فتنة عالية ويغذّي فيهم توقاً كبيراً إلى الإحاطة بمختلف تجاربه الشعريّة. ولئن استطاعت بعض المنتخبات المترجمة سابقاً المتفاوتة في الحجم والدقّة ورهافة اللّغة أن تغذّي هذا التوق لفترة، فلا شكّ أنّ اللحظة قد حانت ليتعرّف أدباء العربية وقرّاؤها على هذه المسيرة الشعريّة الاستثنائيّة عن قرب، وليطّلعوا عليها باكتمال، في انتظار أن يضيفوها إلى مصادر إلهامهم الإبداعيّة ويدرجوها بين مراجعهم الروحيّة.


يعدّ ريلكه من أكبر شعراء اللغة الألمانية في جميع العصور. وفي غداة وفاته كتب الروائيّ النمساويّ روبير موزيل، وهو من أهمّ روائيّي القرن العشرين، أنّ ريلكه، "هذا الشاعر الغنائيّ الكبير، لم يفعل سوى أن قاد الشعر الألمانيّ إلى الكمال لأوّل مرّة في تاريخه. لم يكن إحدى ذرى عصرنا هذا، بل واحداً من تلك الأعالي التي يسير عليها مصير الفكر الإنسانيّ من عصر إلى عصر". كما تحدّث الرّوائيّ والنّاقد النّمساويّ شتيفان تسفايغ عن "ارتقاء مُعجِز" قام به ريلكه بعد بداياته المتلكّئة، ارتقاء يكاد يشكّل إحدى أكبر الأساطير الحيّة في تاريخ الشّعر. ولا يقلّ أسطوريّة عنه صمود ريلكه أمام الآثار النفسيّة الشالّة التي عادت له بها طفولته المتوحّدة ورضّاتها العديدة، جابهَها بالشّعر وحده، رافضاً الاستعانة بالتّحليل النفسيّ أو سواه.

ما إن تجاوز ريلكه أشعار صباه وشبابه، المشبعة بالرّومنطيقيّة والتي أنكرها كلّها ورفض إعادة إصدارها، حتّى راح يجدّد ممارسته للقصيدة ويغيّر فهمنا للعملية الشعريّة، مبتكراً إيقاعات وأنساقاً تصويرية ورمزيّة جديدة في كلّ عمل شعريّ. في "كتاب السّاعات" (1905) أناط بالشعر مهمّة روحانيّة عالية مدعوّة لردم الفراغ الذي حفرته أيديولوجيّات الحداثة الغربيّة في قلب الكائن. وفي "كتاب الصّوَر"، خصوصاً في صيغته الثانية (1906)، عمل على إنشاء مقاربة "موضوعيّة" لأشياء العالَم، مبتعداً عن الانثيالات السّهلة للغنائيّة المحض، وهو المشروع الذي أتيح له أن يحقّقه باكتمال في ديوانه "قصائد جديدة" (1907-1908) بقسميه الكبيرين الاثنين. أمّا عملاه الشعريّان الكبيران الأخيران، اللذان كتبهما في 1922، بعد صمت دام أكثر من عشر سنوات، ألا وهما "مراثي دوينو" و"سونيتات إلى أورفيوس"، فيدفع فيهما إلى أقصى معالجة فنيّة وفلسفيّة ممكنة مشروعه الأساس المتمثّل في تحويل رصيدنا من المرئيّات إلى ثروة غير مرئيّة، ما دعاه هو نفسه "الفضاء الجوّانيّ للعالمَ". كما يتمثّل مشروعه هذا في اجتراح أساطير جديدة مستمدّة من التجربة اليوميّة لإنسان العصر، حيثما تعرب الأساطير القديمة عن تعبها واغترابها عن تجربة الكائن نفسه. فالإنسان المهدّد بالانسحاق في كلّ لحظة يصوّره لنا ريلكه وهو يتجاوز باستمرارٍ محدوديّة شرطه، وذلك بالاستعانة بالخلق الفنيّ وبالتعويل المبرَم على إرادة البناء. هكذا تقف الموسيقى وإهرامات مصر وكاتدرائيات فرنسا ومعالم الفنّ الإسلاميّ في الأندلس وتجربة العشق مع كلّ ما تحبل به من إساءات فهم مأساويّة، تقف رموزاً لإرادة التحوّل التي لا يتردّد الشاعر في التأكيد على جانبها البطوليّ والأسطوريّ، الشائق والشديد الهشاشة في آن. هذا كلّه يعزّز الاعتقاد بإنّ أسئلة شعر ريلكه تكاد تكون أسئلة الشّعر كلّه.

بواسطة : rawan
 0  0  431
التعليقات ( 0 )

comments powered by Disqus
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 10:00 مساءً الثلاثاء 6 ديسمبر 2016.