• ×

النشرة البريدية

Rss قاريء

بمناسبة الاحتفالات بالعيد الوطني لدولة الإمارات: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث تُصدر كتاب: أصول الريادة الحضارية: دراسة في فكر الشيخ زايد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 صدر عن دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث كتاب «أصول الريادة الحضارية: دراسة في فكر الشيخ زايد» للمؤلف نبيل راغب، وذلك بمناسبة العيد الوطني الثامن والثلاثين لدولة الإمارات العربية المتحدة.


وتسعى الدراسة، التي ستصدر كذلك كاملة باللغة الإنجليزية، إلى قراءة الجوانب والأبعاد والأعماق المتعددة لفكر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله- ، وتؤكد أن أصول الريادة الحضارية عند الشيخ زايد تشكل منظومة متسقة الأصول ومتناغمة العناصر بحيث يستحيل الفصل بينها، فكلها أسباب ونتائج في حلقات من التسلسل المنطقي والرؤية الثاقبة، والخيال الخصب الذي يخوض بالعقل الإنساني في مجالات لم يصل إليها من قبل، ثم العودة بأفكار ومفاهيم لم تخطر على بال ذوي العقول التقليدية.


وتؤكد الدراسة أن مراحل التحول الحاسمة في تاريخ الحضارة البشرية- مثل تلك التي مرّت بها دولة الإمارات العربية المتحدة تحت قيادة الشيخ زايد- تعتمد أساساً على القادة والمفكرين والزعماء الذين يضعون الأفكار التقليدية جانباً حتى يتيحوا الفرصة لإعمال خيالهم في استشراف الآفاق الجديدة التي قد لا يرضى البعض عنها في بادئ الأمر نظراً لجدتها التي لم يألفوها، ولكنهم مع إدراكهم التدريجي لإيجابياتها فإنهم يتمسكون بها، ثم يصبحون في النهاية من أشد المتحمسين لها. وكان هذا الخيال الخصب الخلاق هو البوتقة التي انصهرت فيها كل عناصر المنهج الفكري وأصول الريادة الحضارية عند المغفور له الشيخ زايد.


وقد اغتنى الكتاب بمقتطفات من كلمات الشيخ زايد وتصريحاته وأقواله وخطبه وندواته ومؤتمراته الصحيفة، وذلك حتى لا تمثل هذه الدراسة حاجزاً بين القارئ وبين الاستيعاب المباشر لفكر الشيخ زايد.


فقد اكتفت الدراسة بالتحليل والمقارنة والتفسير حتى تساعد القارئ على تتبع الملامح الأساسية لهذا الفكر الخصب والعميق والمتعدد الأبعاد كما تمثلت في فصولها المتتابعة: الزعامة التاريخية، النظرة الاستراتيجية، العمق الروحي، التجربة الديمقراطية، القيمة الإنسانية، الوعي الوحدوي، التوجهات الاقتصادية، التنمية الزراعية، الأمن القومي، السياسة الخارجية. وبرغم الالتحام والتداخل بين هذه الملامح أو العناصر وكأنها انصهرت في بوتقة واحدة، فقد حاولت هذه الدراسة قدر إمكانها أن تبلور كل عنصر، ليس على حدة لاستحالة هذه المحاولة، وإنما في ضوء العناصر الأخرى، حتى يسهل على القارئ تلمس الخصائص التي تميز فكر الشيخ زايد وفي مقدمتها الوحدة والتنوع، الاتساق والتفرع، العمق والسلاسلة.


فإذا أخذنا الفصل الأول الذي يدور حول «الزعامة التاريخية» على سبيل المثال، سنجد أن الفصول التسعة التالية عبارة عن رافد منه وإليه. وإذا أخذنا الفصل الأخير «السياسة الخارجية» سنجد أن الفصول التسعة التي سبقته كانت بمثابة العناصر أو الدعائم التي ينهض عليها سواء على مستوى النظرية أو التطبيق. ولذلك كانت فصول الدراسة بمثابة حلقات في سلسلة ممتدة عبر الزمان والمكان، تؤدي كل حلقة منها إلى الحلقة التالية في اتساق فكرى ومنطق لا يعرف التردد أو التراجع أو التخلخل أو التناقض أو الاهتزاز.


وقد أثبتت هذه الدراسة، من خلال فصولها المتتابعة أن الزعيم التاريخي والقومي الحق يضع في اعتباره دائماً حكم الأجيال التالية عليه، فهو حكم التاريخ. ولا شك أن هذا الزعيم الذي يشكل عهده بريادته الفذة نقطة انطلاق حضاري لوطنه، لا يمكن أن تتحول هذه الريادة الحضارية بعد ذلك إلى مجرد مرحلة تاريخية تنتهي دلالتها بانتهاء فترتها الزمنية، بل تصبح جزءاً حياً ومتجدداً وملهماً لانطلاقات حضارية تالية تنهض بها الأجيال الجديدة، ذلك أن قوة الدفع الكامنة في ريادته الحضارية وفكره الاستراتيجي ليست قوة آنية مؤقتة بل متفاعلة باستمرار مع آفاق المستقبل.


ويقول المؤلف إن الزعيم التاريخي يستهلم خياله السياسي بعيداً عن القوالب الجامدة، والأفكار التقليدية، والاتجاهات السائدة. لكن هذا لا يعني أنه يبدأ من فراغ، لأنه يستوعب ويستفيد من كل تجارب الماضي سواء الوطنية منها أو العالمية. لكن هذه التجارب والأفكار لا تدخل في باب الثوابت بالنسبة له، بل هي مجرد اجتهادات بشرية سابقة قابلة للنقاش والجدل، للقبول أو الرفض طبقاً للمتغيرات الراهنة التي يمر بها. أي أنها مادة خام قابلة للصياغة من جديد وإذا استعصت على الصياغة المعاصرة فإن الزعيم التاريخي ينحيها جانباً لأنه لا يسمح بأية عقبة يمكن أن تعوق المسيرة القومية التي يقودها، يساعده في هذه المهمة خياله السياسي الذي تربى على تجاربه الماضية، وعلى وعيه بإنجازات ومواقف الزعماء القوميين الذين سبقوه سواء في بلده أو في بلاد أخرى. ولذلك تمثلت الثوابت عند الشيخ زايد في قيم الدين الحنيف والمُثل الإنسانية العليا والأخلاقيات التي بدونها يتحول المجتمع إلى غابة. أما في ما عدا هذه الثوابت، فكل شيء آخر يقع تحت بند المتغيرات القابلة للاجتهاد المستمر والتجديد الدؤوب.


ومن هنا تؤكد الدراسة أن الشيخ زايد قد استطاع بذلك أن يحل المعادلة الصعبة التي تحتم الجمع بين الأصالة والمعاصرة من خلال الرؤية الثاقبة والخيال الخصب الذي منحه القدرة على تحليل كل مكونات الواقع الراهن وحقائقه، ثم على الانطلاق إلى آفاق المستقبل الذي ما هو سوى المحصلة النهائية للحاضر.


وأكدت الدراسة أن احتمالات المستقبل كانت هدفاً استراتيجياً عند الشيخ زايد رحمه الله، لا يحيد عنه أبداً. ولعل من أهم مقومات المنهج الفكري، وعيه بتاريخ وطنه بصفة خاصة، وبتاريخ العالم بصفة عامة. وهو يعلم تماماً أن التاريخ هو أقوى ذاكرة عرفتها البشرية فهي لا تنسى أية كبيرة أو صغيرة. فالتاريخ الحضاري للأمم يفسح صدره أو يفتح قلبه للقادة الرواد الذين قادوا أممهم إلى الازدهار برغم الأهوال والمخاطر التي خاضوها. ومن هنا كانت الشعبية الجارفة التي يتمتع بها الشيخ زايد سواء في بلده أو في الخليج العربي أو في الوطن العربي قاطبة. فهو نموذج للزعيم القومي الذي لا يهاب التحديات المصيرية ولا يخشاها، بل يجد فيها الفرصة المواتية لكي يثبت إرادة شعبه من خلال قيادته الواعية. والمسألة في نظره ليست مجرد مخاطرة غير محسوبة أو رهان غير مأمون العواقب. فهو يلجأ دائماً إلى قدرته على الفكر والتصور والتأمل، فتساعده على فتح الثغرات واختراق الحواجز في وقت ومكان لم يكونا ليخطرا على بال أي سياسي تقليدي.


وترى الدراسة أن إصرار الشيخ زايد رحمه الله على ضرورة المنهج الفكري المتسق والرؤية الشاملة والعميقة ، جاء بهدف التحكم في كل جوانب وعناصر التقدم الحضاري دون حدوث ثغرات أو نكسات في الطريق. ومن هنا أيضاً كان إصراره على تحديد الأولويات، ورصد المراحل، والربط بين الأسباب والنتائج، ورفض التكرار والازدواج والطرق المسدودة والمتاهات الجانبية والدوائر المفرغة، لأن هذا الإصرار من شأنه أن يؤدي إلى الاتساق واطراد التقدم. ذلك أن أية ثغرة ضعف في البنيان مهما كانت ضئيلة، هي ضعف للبنيان كلّه مهما بدا قوياً وشامخاً ومتماسكاً، فمن المحال بقاء الحال على ما هو عليه. ونقطة الضعف إذا ما تركت فإنها يمكن أن تنخر كالسوس في البنيان ثم تستفحل لتقضي عليه.


من هنا كان حرص الشيخ زايد على عوامل التناغم والتكامل والالتحام بين مختلف عناصر البناء الحضاري من خلال القضاء على كل ثغرات الضعف، والتدعيم المستمر والمتنامي لكل عوامل القوة. فالوجود الإنساني وحدة عضوية حية متفاعلة لا تعترف بوجود خلايا مريضة أو ميتة أو أعضاء لا وظيفة لها. وكل أعضائها تخضع لمبدأ التأثير والتأثر المتبادلين باستمرار، ولمبدأ السبب والنتيجة، فلا توجد نتيجة بلا سبب يسبقها ويؤدي إليها، ولا يوجد سبب لا يؤدي إلى نتيجة وإلا انتفت عنه صفة السببية أساساً. ولذلك يؤكد الشيخ زايد دائماً على أننا إذا أردنا أن نحقق نتيجة معينة فلابد أن نوفر الأسباب المؤدية إليها. والمفكر الاستراتيجي يدرك جيداً أن الأسباب لا تتوافر دائماً، فهي ليست في متناوله بصفة دائمة. ولذلك يرى الشيخ زايد أن عليه أن يسعى إلى إيجادها وتوفيرها، وإذا صعبت الأمور في مرحلة من المراحل، فإنه لا يقف حائراً في انتظار الفرج بل يخطط فوراً لإيجاد أسباب بديلة، إذ أن عينه دائماً على البدائل حتى لا يجد نفسه فجأة في طريق مسدودة أو دائرة مفرغة قد يصعب الخروج منها. ونظراً لأن الحياة في تغير مستمر ولا يبقى شيء على حاله، فإن النظرة المستقبلية تخترق حدود الواقع الراهن لتضع الاحتمالات المتوقعة في اعتبارها، دون خوف من فقدان الاتجاه لأنها تصدر عن قاعدة قومية ثابتة هي بمثابة البوصلة التي تهديها سواء السبيل مهما أبحرت بعيداً صوب الأفق الجديد.


ولذلك تهدف الريادة الحضارية عند الشيخ زايد إلى الحفاظ على الملامح المميزة والمقومات الرئيسية للشخصية القومية، وفي نفس الوقت تتخذ من هذه الشخصية المتميزة قاعدة صلبة لينطلق منها إلى تحقيق الأهداف الكبرى. والتعامل مع دول العالم في كل المجالات. والأمة التي تفقد شخصيتها، تفقد بالتالي احترام العالم لها، وقدرتها على توجيه دفة الأحداث لصالحها، والأسلوب الذي يمكِّن الأمم الأخرى من التعامل معها على أساس الندية والاحترام المتبادل. ولعل الريادة الحضارية للشيخ زايد تمثلت عملياً في كل الأساليب الاستراتيجية التي اتبعها في تحقيق إنجازاته القومية، وخاصة قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة.


وأكد المؤلف أن أصول الريادة الحضارية عند المغفور له الشيخ زايد مثل شجرة مثمرة وارفة الظلال، تمد جذورها في أعماق تربة الوطن لتستمد منها عصارة الحياة التي تسري في فروعها وأغصانها الشامخة التي تعلو فوق هامات السحاب، وتحتضن ضياء الشمس، وتتطلع إلى السماء وهي تحمد الله الذي منحها كل هذه القدرة على النماء والشموخ والعطاء.


ويُذكر أن هذا الإصدار الجديد من كتاب " أصول الريادة الحضارية: دراسة في فكر الشيخ زايد"، يُمثل الطبعة الثانية، والتي جاءت بعد سنوات من نفاذ نسخ الطبعة الأولى التي صدرت في عام 1995.

بواسطة : rawan
 0  0  464
التعليقات ( 0 )

comments powered by Disqus
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 02:42 مساءً السبت 10 ديسمبر 2016.