• ×

النشرة البريدية

قائمة

Rss قاريء

بعد شهرين فقط من صدورها... زمن نوال مصطفى الأخير في طبعة ثانية من القاهرة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 صدرت في القاهرة طبعة ثانية من رواية الكاتبة الروائية نوال مصطفى "الزمن الأخير" عن الدار المصرية اللبنانية.


وكانت الطبعة الأولى من الرواية قد صدرت قبل شهرين فقط، وحسب قول ناشر الرواية محمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين المصريين: "إنها أسرع رواية تصدرها الدار المصرية اللبنانية وتنفد خلال ستين يومًا، كما أنني لاحظت إقبالاً شديدًا عليها في مصر والبلدان العربية خصوصًا السعودية ودول الخليج".


وكانت "الزمن الأخير" لنوال مصطفى قد صدرت في مائتين وعشرين صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية قال عنها الشاعر أحمد الشهاوي إنها ترصد التحولات المصائرية والتغيرات الإنسانية والتقلبات القلبية والرؤى الروحية والتواصلات الحميمة في حياة البشر من خلال أسرة مصرية تتشابك في نسيج علاقاتها الاجتماعية.


"الزمن الأخير" رواية أمكنة وأزمنة يُسيِّرها شخوص متفاوتون في الفكر والثقافة والتكوين النفسي والاجتماعي والأيديولوجي.


والرواية التي أهدتها الكاتبة نوال مصطفى رئيس تحرير "كتاب اليوم" إلى "السيدة العظيمة التي ألهمتني فكرة هذه الرواية .. إلى أمي" أتت في لغة بسيطة في سردها، إذ تتسم بالشعرية العالية ليس فقط لاهتمام الكاتبة وكذا بعض شخصيات العمل بالشِّعر، ولكن من خلال السياق الفني والجمالي السردي الذي جاء في انسيابية وعذوبة، وهذا ما جعل الرواية متماسكة في بنائها ومشدودة في تركيبها .


إن "الزمن الأخير" رواية تبقى في الذاكرة طويلاً من فرط إنسانية الأحداث وكونية الرؤى، إذ احتشدت بالرؤى والأفكار والتفاصيل الإنسانية الحميمة، وقبضت الكاتبة نوال مصطفى على جمر الأشواق والأحزان والأسى في حياة "شهد" الشخصية المحورية في الرواية، وأحمد وطارق وجيسيكا وليلى وسيف وسارة، وهي الشخصيات التي تتواصل الرواية عبرهم ومن خلالهم وتواشجهم وافتراقهم ودخولهم في هزائم وانتصارات ومواقع باطنية وروحية تجعل القارئ للعمل الروائي متوترًا ومشدودًا ومتحفزًا ومنتظرًا ماذا ستكون عليه الأحداث.


وإذا كانت الرواية تبدأ بالسؤال "هل تصاب الذاكرة بعوامل التعرية وتتآكل كما تتآكل قمم الصخور والجبال؟ وهل تصاب بالارتباك أحيانًا فتقلب حياة إنسان رأسًا على عقب؟ هل يمكن أن يسقط ملف كامل يحمل حياة إنسانٍ بكل تفاصيلها من الـ"هارد ديسك" الإلهي، الذي خلقه الله لنا كأعظم معجزة تستعصي على إدراك البشر؟"، فإن نوال مصطفى أنهت كتابتها بالسؤال أيضًا، وبأداة الاستفهام هل؟ وهل هي حرف استفهام يطلب به معرفة مضمون الجملة، لأن السائل يجهل العلم به، كما أن هل حرف مبني لا محل له من الإعراب.. وصحيح أن نوال مصطفى قد خططت لعملها وصممت عالمها الروائي إلا أنها كراوية أو كخالقة نص أنجزت نصها دون يقينيات بل هو الشك وإلقاء السؤال لأنها تدرك أن من جهل عرف.فهي تعرف أن "هل" تعني فيما تعني الترقَّب المصيري، الانتظار، المفاجأة (بفرح أو صدمة)، سؤال القلب والعقل والمنطق، ومساءلة الذات عندما تواجه نفسها في مرآة الاستفهام إيجابيًا أو سلبيًا، لأن الإجابة بـ "نعم أو لا" هي تحديد مصير.


ويقول الناقد الدكتور صلاح فضل إن نوال مصطفي كاتبة صحفية متمرسة‏،‏ تعشق القص والسير الأدبية‏،‏ وتنشر مجموعاتها وكتبها بانتظام منذ ثلاثة عقود‏،‏ حيث تتمتع بأسلوب خلاب وحاسة أنثوية مرهفة‏ كما تمتاز بقدرتها على رصد تحولات الحياة وقراءة أحداثها بعين ثاقبة ورؤية سردية مستنيرة‏،‏ فتقدم صورة لافتة للحياة الإعلامية والوسط الثقافي في علاقاته المهنية ومناخه الإنساني‏،‏ مع تسليط الضوء على احتدام التجارب العاطفية والوجودية الحميمة‏.‏


غير أنها تركِّز في روايتها الجديدة‏ "الزمن الأخير" على أزمة منتصف العمر عند الرجال والنساء الذين بلغوا العقد الخامس من أعمارهم‏،‏ واكتشفوا زيف حياتهم وفراغها المخيف‏،‏ وتبينوا حاجتهم الملحة لاستعادة نضرة قلوبهم وحيوية أجسادهم وتوهج مشاعرهم‏،‏ مع ما يتعرضون له نتيجة لكل ذلك من عواصف عائلية‏،‏ وتعقيدات عملية‏،‏ وتقلبات مدهشة في دواخلهم الباطنية المستترة‏.‏


توزِّع الكاتبة نوال مصطفى اهتمامها على عدد كبير من الشخوص منذ مطلع الرواية‏،‏ قبل أن تغزل تشابك مصائرهم بأحداثها‏،‏ فلا تلتزم بمنطق الراوي الواحد‏،‏ ولا الرواة المتعددين‏،‏ بل تأخذ حريتها في تحريك منظورها واستبطان شخوصها على طريقة السرد التقليدي‏،‏ ولكنها تختار من ذبذبات مشاعرهم لحظة حرجة تنطلق منها لاستكناه أسرار وجودهم‏،‏ فهذه‏ "شهد‏" الخمسينية - التي تحمل فيما يبدو صوت الكاتبة وتقاربها في الثقافة والعمر - تقع فريسة أزمة داخلية‏،‏ نتيجة مراقبتها لأمها القوية الجبارة وهي تقع في هوة ضياع الذاكرة.


المرأة الاستثنائية التي وقعت في سجن النسيان‏،‏ كانت تجلس معها ساعات تحاول أن تداعب ذاكرتها دون جدوي‏،‏ وكانت تري في عينيها الكثير من الكلام المعتقل‏..‏ يا الله يا أمي‏..‏ أرجوك تكلمي‏..‏ هل مسح عقلك كل ما كتب داخله من أحداث ؟ هل أخطأت‏،‏ وضغطت على المفتاح الخطأ في الـ‏"كيبورد" وداس إصبعه على مفتاح ‏delete‏ لإلغاء حياة كاملة فتكون ردة فعلها هي العكوف الهستيري على ألبوماتها وصورها كي تؤرخها وتفهرسها وتسجل ذكرياتها‏،‏ كأنها تريد أن تطرد شبح النسيان العشري وإلغاء الذاكرة تشبثا بالحياة.


فإذا ما زارهم صديق زوجها‏‏ طارق‏‏ الخارج بصمته هو الآخر من محنة انهيار حياته العائلية في مهجره الإنجليزي‏،‏ وعرفت منه أنه يشرع في كتابة بحث عن الذاكرة والحنين إلى الماضي‏،‏ وعرض عليها أن يعقد معها جلسات عملية تحكي فيها تجربتها مع ذاكرتها‏،‏ حتى تتهيأ له‏،‏ وتتفنن في كشف أسرارها أمام عينيه في سهرة رائقة‏،‏ فتشعل في روحه جذوة حب الحياة بأناقتها وأسلوب ضيافتها‏،‏ شكرها بمشاعر نابضة‏،‏ والتهم الأطباق اللذيذة التي أعدتها أحس بنشوة آسرة لم يحسها منذ فترة‏،‏ وتمنى أن يتوقف عندها الزمن‏،‏ مما جعله يستدعي أبيات قصيدته الأثيرة لمحمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" ويترك نفسه لتأثير الموسيقي الخافتة التي أدارتها شهد لجلسة حميمة ازدانت بألوان الزهور المتناسقة وتراقص ضوء الشموع.


كانت شهد مأخوذة بالتجربة الجديدة‏،‏ تسيطر عليها مشاعر طفولية متضاربة‏،‏ فهي سعيدة بالشراكة مع إنسان تحترمه وترتاح إليه مثل‏‏طارق‏‏ الأستاذ الجامعي المرموق بأوكسفورد والكاتب المحترف‏،‏ فهي بشهادته ليست مريضة نفسية‏،‏ بل تشاركه تجربتها في الكتابة عن الذاكرة‏ وبينما هي تمضي في هذه الجلسات تجد نفسها مدفوعة إلي التطهر بالاعتراف له بآخر تجاربها في العشق‏،‏ حيث استأنفت علاقتها بخطيبها الأول بعد انقطاع سنوات طويلة‏،‏ شرحت له ذلك الصراع الرهيب الذي كان يلازمها خلال سنوات العشق والذوبان‏،‏ كما اعترف طارق لها أيضا بأسرار انكشاف خيانته لزوجته الإنجليزية ودوره في تدميرها نفسيا‏،‏ وتتوالي سلاسل الخيانة المتبادلة لتجعل من هذا الزمن الأخير زمن الخيانات الزوجية.


تنسج الكاتبة الروائية نوال مصطفي كما يرى الناقد الدكتور صلاح فضل، شبكة علاقات الشخوص‏،‏ وتطورات عواطفهم ومغامراتهم بمهارة حقيقية‏،‏ تكشف فيها عن غوايات الحياة المعاصرة‏،‏ وتضرب علي الوتر الحساس في مشاعر الغيرة والتفهم التي تفصل بين الآباء وبينهم خلال تصدع العائلة‏،‏ وما تستشعره البنت من نقمة علي أمها التي تفضل رجلا آخر علي أبيها‏،‏ حتى تتعرض بدورها لقسوة زوجة الأب فترتمي في حضن أمها.


تصور الكاتبة هذه التفاصيل بعمق وشعرية نفاذة‏،‏ ولكنها تلجأ إلي استحضار بعض الأسماء والرموز والأحداث المعروفة لتأكيد وهم واقعية السرد‏،‏ فتحكي عن بيت العائلة الذي تنتقل إليه شهد بالسيدة زينب بعد طلاقها من زوجها‏،‏ وكيف أصبح هذا البيت منتدى لشباب العائلة وأصحابهم‏،‏ يتمتعون فيه بسماع أحمد الشهاوي وهو يرتل بعض قصائده التي توردها الكاتبة‏،‏ كما تشير إلي تشبيههم لهذا البيت ببيت الأحلام الذي كتب عنه أنيس منصور في‏‏ شارع التنهدات‏‏ وتشير إلي كتاب جابر عصفور ضد التعصب وتسمي الحفلات الموسيقية التي يستمعون إليها‏،‏ والندوة التي يعقدونها لمناقشة رواية‏‏ واحة الغروب‏‏ لبهاء طاهر.


وتمعن في تكثيف هذه الإشارات الخارجية في الجانب السياسي فتجعل الشباب يتحدثون عن مظاهرة حرق العلم الإسرائيلي في الجامعة الأمريكية‏،‏ وتدفع طارق كي يحكي لهم قصة مذابح صبرا وشاتيلا‏،‏ دون أن يكون لكل ذلك علاقة عضوية بمجري الأحداث التي تقتصر علي قصص الحب والخيانة‏،‏ مما يجعل هذه الإشارات مجرد لواصق مضافة إلي سطحها‏،‏ لا تقوى علي استحضار الأزمنة الأخيرة بكل زخمها وحيويتها‏،‏ فواقعية الأعمال الفنية تتمثل في تقطير روح العصر وتجسيدها في نماذج ومواقف إنسانية‏،‏ وبقدر ما كانت الكاتبة موفقة في إشارتها لقصيدة درويش عما يستحق الحياة لأنها تنبع من صميم وعي البطل فإن حشد بقية المظاهر الأخرى في بيت العائلة وإقحامها في السرد كان أشبه بإشعال إضاءة مخالفة لنسق الألوان في المتخيل السردي حيث تهتك سره‏،‏ خصوصًا في مناخ هذه الرواية المخملية الناعمة‏،‏ ذات الرفيف الشعري‏،‏ والبهجة الموغلة في كشف نشوة الحياة وبث عطرها الأنثوي السحري.

بواسطة : rawan
 0  0  90
التعليقات ( 0 )

comments powered by Disqus
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 06:12 مساءً الأحد 4 ديسمبر 2016.