يتجه المشهد الثقافي في المملكة نحو مرحلة متقدمة تتسع فيها دائرة المشاركة المجتمعية، ليصبح الجمهور شريكًا فاعلًا في التجربة الثقافية وإنتاج المعرفة، من خلال برامج نوعية تفتح آفاق الحوار والإبداع والتعلم المستمر، في تجسيد عملي لمستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تطوير القطاع الثقافي وتعزيز الاقتصاد الإبداعي والارتقاء بجودة الحياة.
وفي هذا السياق، تبرز مؤسسة بينالي الدرعية بدورها في احتضان المواهب وتنميتها، وتوفير منصات للتبادل الثقافي تتيح التواصل بين المبدعين والجمهور، بما يسهم في جعل الثقافة ممارسة يومية متجددة.
وأكدت مديرة البرامج الثقافية في المؤسسة سيبيل فاسكيز، أن المؤسسة نظمت خلال العام الماضي أكثر من (400) فعالية ثقافية، تداخلت فيها مجالات الفن والمعرفة والتاريخ والتصميم، وأتاحت للجمهور التفاعل النقدي والإبداعي مع مختلف الموضوعات، مشيرةً إلى أن هذه البرامج تمثل منصات حيوية للتلاقي والتعلم المشترك بين المبدعين والجمهور.
ولاحتضان هذه الأنشطة، خصصت المؤسسة مبنى البرنامج الثقافي في حي جاكس ليكون مركزًا دائمًا للتعلم والتجريب والحوار المجتمعي، حيث يجمع تحت سقفه الفنانين والباحثين والممارسين والزوار، ويعمل على كسر الحواجز بين الخبرات والتجارب.
وتُنظم هذه البرامج بالتعاون مع مؤسسات ثقافية ومبدعين من داخل المملكة وخارجها، بما يعزز تبادل الخبرات والمعرفة، ويتيح في الوقت ذاته إبراز الإبداع السعودي في المحافل الدولية، إضافة إلى دعم المواهب المحلية للوصول إلى الشبكات العالمية.
ومن أبرز الفعاليات التي استضافها الحي، معرض الكتب الفنية “PaperBack” في نسختيه، الذي وفر منصة للفنانين ودور النشر والطباعة المستقلة لعرض أحدث الابتكارات الفنية من مختلف أنحاء العالم، إلى جانب إطلاق مبادرة “نكهات جاكس” المخصصة لفنون الطهي، والتي تهدف إلى تمكين الطهاة ورواد الأعمال في قطاع الأغذية والمشروبات، عبر تقديم مفاهيم مبتكرة تشمل الأطعمة المستدامة والمخابز الحرفية وتجارب الطعام المتكاملة.
وفي جدة، دشنت المؤسسة خلال عام 2025 منتدى “طُرُق: نكهات ومسارات” ضمن الدورة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية في صالة الحجاج الغربية بمطار الملك عبدالعزيز الدولي، إلى جانب منتدى التصميم “MADE”، الذي جمع بين الجوانب الفكرية والتجارية للتصميم، وضم سوقًا متخصصًا ومنصة للنقاش وورش العمل المتقدمة.
وأوضحت فاسكيز أن تصميم البرامج الثقافية يستند إلى عدة معايير، أبرزها توافقها مع اهتمامات الجمهور، واحتواؤها على عنصر الأصالة، وقدرتها على إحداث أثر مستدام، مؤكدةً حرص المؤسسة على تقديم قيمة حقيقية للمشاركين عبر تنمية المهارات وفتح آفاق مهنية جديدة.
وأشارت إلى أن دعم المواهب المحلية يمثل محورًا أساسيًا في عمل المؤسسة، من خلال إشراك الفنانين والمصممين والمفكرين السعوديين في مختلف البرامج، إلى جانب الاستثمار في بنية تحتية ثقافية مستدامة ومبادرات دورية تضمن استمرارية الحراك الثقافي على مدار العام.
يُذكر أن الدورة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر، المقامة تحت عنوان “في الحِلّ والترحال”، مستمرة في استقبال الزوار حتى 2 مايو 2026، مقدمةً برنامجًا يوميًا متنوعًا يشمل ورش عمل تعليمية، وعروضًا فنية وسينمائية، ومساحات بحثية، وجلسات حوارية تستهدف مختلف فئات المجتمع.
ومن أبرز الفعاليات المرتقبة عرض “خرائط الصوت”، وهو تجربة سمعية بصرية تستخدم 20 آلة موسيقية، إلى جانب برامج تدريبية متقدمة في أبريل، وبرنامج الإقامة القصيرة “مختبر الأرشيف المغاير” الذي ينطلق في 17 أبريل، مستكشفًا رؤى نقدية جديدة للأرشفة والسرديات التاريخية.