العُلا.. من ملتقى القوافل والحضارات إلى منصة عالمية للشراكة السعودية الفرنسية

تواصل محافظة العُلا ترسيخ حضورها بوصفها إحدى أبرز الوجهات الثقافية والتراثية في العالم، مستندة إلى إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، وشراكات دولية أسهمت في إعادة تقديم تاريخها وثقافتها وطبيعتها إلى العالم، وفي مقدمتها الشراكة السعودية الفرنسية.

واستفادت العُلا عبر تاريخها من موقعها على طرق التجارة القديمة التي ربطت الجزيرة العربية بمحيطها الإقليمي والعالم القديم، لتتحول واحة المحافظة إلى مركز للاستقرار والتجارة والتبادل الثقافي، قبل أن تترك الحضارات المتعاقبة إرثًا غنيًا من المواقع الأثرية والنقوش والواجهات الصخرية.

وتضم المحافظة مواقع تاريخية بارزة، من بينها دادان وجبل عِكمة والبلدة القديمة والحِجر، الذي أصبح في عام 2008 أول موقع سعودي يُدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، بما يحتويه من مدافن نبطية منحوتة في الصخور وشواهد معمارية ونقوش توثق جانبًا مهمًا من تاريخ المنطقة.

ومع التحولات التنموية التي تشهدها المملكة، دخلت العُلا مرحلة جديدة تقوم على حماية إرثها الطبيعي والثقافي والتاريخي، ودراسة مكوناته وتطوير التجارب السياحية والثقافية، إلى جانب بناء القدرات الوطنية والاستفادة من الخبرات الدولية.

شراكة سعودية فرنسية تمتد لسنوات

يمثل التعاون السعودي الفرنسي أحد أبرز مسارات الشراكة الدولية في العُلا، حيث بدأ التعاون الأثري بين الجانبين منذ أكثر من 20 عامًا، وتحديدًا مع أعمال البحث الأثري في الحِجر عام 2002.

وتعزز هذا التعاون بإبرام الاتفاق الحكومي المشترك بين المملكة وفرنسا في باريس في 10 أبريل 2018، بحضور ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ليشكل إطارًا طويل الأمد للتعاون في التنمية الثقافية والبيئية والسياحية والبشرية والاقتصادية وتعزيز التراث في المحافظة.

وفي إطار الاتفاقية، أُنشئت الوكالة الفرنسية لتطوير العُلا «AFALULA» للعمل مع الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، واستقطاب الخبرات الفرنسية وتطوير الشراكات مع المؤسسات العلمية والثقافية والشركات المتخصصة.

وانعكست الشراكة على مشاركة القطاع الخاص الفرنسي، إذ شاركت أكثر من 80 شركة فرنسية في فرص ومشروعات مرتبطة بالعُلا خلال الفترة من 2018 إلى 2025، بما يعكس اتساع نطاق التعاون وتنوع مجالاته.

البحث الأثري في صدارة التعاون

حافظ البحث الأثري على موقعه كأحد أهم مسارات التعاون بين الجانبين، حيث شارك أكثر من 150 خبيرًا في أعمال المسح والتنقيب والدراسة في عدد من المواقع، فيما أُطلق منذ عام 2019 نحو 14 مشروعًا للبحث الأثري.

ومن أبرز ثمار هذه الأعمال المعرض الدائم «اكتشافات مُضيئة: المراحل التاريخية في دادان»، الذي يضم أكثر من 100 قطعة أثرية اكتُشفت خلال خمسة أعوام من التنقيب في دادان وموقع أم درج، ويقدم للزوار شواهد على الحياة اليومية والحرف والمعتقدات والتجارة والتبادل الثقافي في المنطقة.

كما وصل التراث الداداني إلى باريس من خلال إعارة أحد التماثيل الأثرية إلى متحف اللوفر لمدة خمسة أعوام، في خطوة تعزز حضور إرث العُلا في المحافل الثقافية العالمية.

التعليم وبناء القدرات

امتدت الشراكة إلى المجال الأكاديمي والتدريب، من خلال برامج مع مؤسسات فرنسية بينها جامعة باريس الأولى بانثيون-سوربون، لدعم تبادل المعرفة وتطوير القدرات الوطنية في الآثار وحفظ التراث وترميمه.

وشملت البرامج ابتعاث 106 من أبناء وبنات العُلا إلى فرنسا، من بينهم 25 خريجًا، إضافة إلى حصول 15 متدربًا على تدريب متخصص في علم الآثار بفرنسا، بما يعكس انتقال التعاون من تبادل الخبرات إلى بناء قدرات بشرية مستدامة.

من الآثار إلى الفنون والضيافة

لم تتوقف الشراكة عند الآثار، بل امتدت إلى الفنون والمتاحف، من خلال التعاون مع مركز بومبيدو للاستفادة من خبراته في تطوير متحف الفن المعاصر في العُلا.

وشهد عام 2026 إقامة معرض «أرضنا» ضمن مهرجان فنون العُلا، بالتعاون مع مركز بومبيدو وبدعم من الوكالة الفرنسية لتطوير العُلا، وضم أكثر من 80 عملًا فنيًا لفنانين سعوديين وإقليميين ودوليين.

كما عززت معارض دولية حضور العُلا في المشهد الثقافي العالمي، ومن بينها معرض «العُلا، واحة العجائب في الجزيرة العربية» الذي استضافه معهد العالم العربي في باريس عام 2019.

وتشكل «فيلا الحِجر» نموذجًا آخر للتعاون الثقافي السعودي الفرنسي، بوصفها مؤسسة تُعنى بالفنون والإبداع والتبادل الثقافي، وتوفر برامج في الفنون البصرية والتصميم والأداء والسينما والتعليم والإقامات الفنية.

وفي قطاع السياحة والضيافة، أسهمت «فيراندي باريس-العُلا» في نقل الخبرات الفرنسية في فنون الطهي وإدارة المطاعم والحلويات والفنادق، بما يدعم تأهيل الكفاءات الوطنية للاستفادة من النمو المتسارع في القطاع السياحي بالمحافظة.

وتتوسع الشراكة كذلك إلى مجالات النقل والبنية التحتية والاستدامة وحماية البيئة والتقنيات وتطوير التجارب السياحية، في إطار يستهدف تحقيق التوازن بين التنمية وحماية هوية العُلا وطبيعتها وإرثها.

وتجسد التجربة السعودية الفرنسية في العُلا نموذجًا للتعاون الذي يتجاوز تنفيذ المشروعات إلى إنتاج المعرفة وبناء القدرات وتطوير المؤسسات الثقافية والتعليمية وحماية التراث، لتواصل المحافظة دورها التاريخي كجسر للتواصل بين الحضارات، ولكن بأدوات العصر وشراكات تمتد من البحث العلمي إلى الفنون والسياحة والاستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أخبار مشابهة

تتجه أنظار عشاق سباقات الهجن غدًا إلى ميدان الطائف التاريخي، حيث تُختتم منافسات فئة «الجذاع»، ثالث الفئات المعتمدة ضمن النسخة الثامنة من مهرجان ولي العهد للهجن 2026، بإقامة سباقات حاسمة على أربعة كؤوس خلال الفترة المسائية، في ختام منافسات بلغت جوائزها الإجمالية 6.98 ملايين ريال على مدار يومين. وتحظى الكؤوس الأربعة بقيمة مالية كبيرة، إذ […]

أطلق الصندوق الثقافي، بالشراكة مع وزارة الثقافة وبرنامج جودة الحياة أحد برامج تحقيق رؤية السعودية 2030، النسخة المطورة من خدمة «القسائم»، إحدى الخدمات التمكينية ضمن منظومة «نماء»، بهدف تمكين المنشآت الثقافية من الحصول على خدمات متخصصة تساعدها على تطوير أعمالها ورفع كفاءتها التشغيلية. وتستهدف الخدمة الجديدة المنشآت الثقافية المتناهية الصغر والصغيرة، من خلال توفير قسائم […]

سجّل معرض الصقور والصيد السعودي الدولي نموًا متسارعًا منذ انطلاقه، ليصبح خلال سنوات قليلة إحدى الفعاليات السعودية البارزة التي تجمع بين المحافظة على الموروث الثقافي وتقديم التجارب الترفيهية والمعرفية والفرص التجارية والاستثمارية، بعدما قفز عدد زواره من نحو 120 ألف زائر في نسخته الأولى عام 2018 إلى أكثر من 700 ألف زائر خلال عشرة أيام […]

سجل سوق انتقالات المطايا المصاحب للنسخة الثامنة من مهرجان ولي العهد للهجن 2026 حراكًا لافتًا على المستوى الاستثماري، مع تقديرات بتجاوز إجمالي قيمة الصفقات المعلنة وغير المعلنة حاجز 60 مليون ريال، في مؤشر على تنامي القيمة التجارية للمطايا واتساع نطاق الاستثمار في رياضة الهجن. وشهدت التعاملات المعلنة عددًا من الصفقات البارزة، كان أبرزها انتقال ملكية […]

كشفت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة عن جانب من مقتنياتها النادرة التي توثق تاريخ الأندلس وحضارتها العربية والإسلامية في أوروبا، عبر مجموعة مميزة من الكتب والمخطوطات التي تؤرخ لمراحل امتدت لأكثر من ثمانية قرون، منذ فتح الأندلس عام 92هـ وحتى سقوط غرناطة عام 1492م. وتضم المجموعة الأندلسية بالمكتبة مصادر ومراجع تتناول جوانب متعددة من تاريخ الأندلس، […]

يتيح المعهد الملكي للفنون التقليدية «وِرث» للمهتمين بالفنون التقليدية السعودية فرصة اكتساب معارف ومهارات متنوعة من خلال مجموعة من دورات التعلّم الذاتي، التي صُممت بأسلوب مرن يتيح للمتعلّم اختيار الوقت والمحتوى بما يتناسب مع اهتماماته واحتياجاته. وتشمل الدورات ثمانية فنون تقليدية، هي: زخرفة من جدة التاريخية، والمشغولات الجلدية، وصناعة السبحة، وتطريز النقدة، والأجراس في المجوهرات، […]