كشفت دراسة أثرية دولية حديثة عن مؤشرات جديدة توثق نشوء نمط مبكر من الهوية الإنتاجية للمنتجات في واحات شمال غرب الجزيرة العربية خلال العصر البرونزي، وذلك من خلال تتبع صناعة الفخار ثنائي اللون في واحة قُرَيّة بمنطقة تبوك.
وأُجريت الدراسة بالتعاون بين هيئة التراث وجامعة فيينا، ونُشرت نتائجها في مجلة PLOS One، مستندة إلى تحليلات متقدمة لعينات فخارية عُثر عليها في الموقع، كشفت عن تقاليد تصنيع مستقرة وخصائص إنتاجية متكررة أسهمت في انتشار هذه المنتجات خارج موطنها.
وأظهرت النتائج أن إنتاج الفخار الملوّن في قُرَيّة بدأ قبل نحو 3600 عام، وبلغ أوج انتشاره قبل نحو 3200 عام، إذ وصلت منتجاته إلى مناطق في جنوب بلاد الشام ومصر، إضافة إلى مناطق في شمال الجزيرة العربية، واستمر إنتاجه حتى نهاية العصر الحديدي.
واعتمد الباحثون على مجموعة من الفحوص العلمية، شملت دراسة التركيب المعدني والبنية الداخلية للفخار، والفحص بالمجهر المستقطب، إلى جانب تحليل البصمة الكيميائية للمواد الخام، ما أسهم في تحديد مصادرها وإعادة تقييم النظريات السابقة بشأن منشأ ما عُرف بـ«الفخار المديني».
وتشير الدراسة إلى أن سكان الواحات في تلك الحقبة لم يكونوا مجرد جزء من شبكات التبادل الإقليمية، بل امتلكوا مهارات وتقنيات إنتاجية محلية مميزة، مع استمرار تفاعلهم وتبادلهم للمعارف مع مناطق مجاورة في بلاد الشام وسوريا.
وتبرز النتائج الأهمية التاريخية لواحة قُرَيّة بوصفها مركزًا إنتاجيًا مؤثرًا في شمال غرب الجزيرة العربية، كما تعكس قيمة الدراسات العلمية الحديثة في إعادة قراءة التاريخ الحضاري للمملكة وإبراز إسهامات المجتمعات القديمة في التجارة والصناعة والابتكار.