تحتفظ منطقة الحدود الشمالية بآبار تاريخية شكّلت عبر قرون جزءًا من ذاكرة المكان، وارتبطت بحياة سكان البادية وأنماط تنقلهم واستقرارهم، خصوصًا خلال أشهر الصيف، حين كانت موارد المياه تتحول إلى وجهات موسمية تُعرف محليًا بـ«المقطان» أو «المقياظ».
ومع اشتداد حرارة الصيف، كانت الأسر تتجه إلى مواقع الآبار الدائمة للإقامة المؤقتة، حيث تستمر أنشطة الرعي والتنقل، وتلتقي الأسر وتتوثق الروابط الاجتماعية، في مشهد يعكس الدور المحوري الذي أدته المياه في استمرار الحياة داخل البيئة الصحراوية.
وتنتشر في المنطقة آبار يدوية تاريخية حُفرت قبل مئات، وربما آلاف السنين، بجهود بشرية عكست خبرة سكان المنطقة في الوصول إلى مصادر المياه والاستفادة منها، ومن أبرز مواقعها: الدويد، والهبكة، وقيصومة فيحان، وحدق الجندة، وأعيوج لينة، والمصندق، والخشيبي، وقليب غنيم، والحفيرة، وزبالا، وغيرها من المواقع التي ارتبطت بتاريخ سكان البادية ومسارات تنقلهم.
وأوضح المهتم بالتاريخ والآثار خلف الغفيلي أن «المقطان» لم تكن مجرد مواقع للحصول على مياه الشرب، بل مثّلت مراكز موسمية للحياة الاجتماعية والاقتصادية، إذ يقيم سكان البادية حول مصادر المياه خلال فصل الصيف، وتستمر بالقرب منها أنشطة الرعي، إلى جانب تبادل المنافع وتعزيز العلاقات الاجتماعية.
وبيّن أن تسمية «المقطان» ترتبط بالفعل «قطن»، بمعنى أقام واستقر في مكان معين، في إشارة إلى إقامة أهل البادية حول مصادر المياه خلال موسم الصيف، الأمر الذي جعل هذه المواقع جزءًا من نمط الحياة التقليدي في المنطقة.
ولا تزال بعض الآبار تحتفظ بشواهد عمرانية تقليدية تعكس أساليب حفرها وتجهيزها، وتقدم صورة عن مهارة الإنسان في استنباط المياه والتكيف مع البيئة الصحراوية، وهو ما يمنحها قيمة تاريخية وثقافية تتجاوز وظيفتها الأصلية كمصادر للمياه.
وتبرز هذه الآبار اليوم بوصفها شواهد على علاقة الإنسان ببيئته، وتوثق مرحلة كان فيها الماء عاملًا أساسيًا في تحديد مواقع الاستقرار ومسارات الحركة في الصحراء، كما تمثل مكونًا من مكونات الذاكرة الثقافية لمنطقة الحدود الشمالية.
وتعزز القيمة التاريخية لهذه المواقع فرص إدراجها ضمن مسارات السياحة التراثية والثقافية في المملكة، بما يدعم جهود المحافظة عليها وتوثيقها، ويتيح للأجيال الجديدة التعرف على جانب من تاريخ المنطقة وتجربة سكانها في مواجهة ظروف البيئة الصحراوية، حين كان مورد الماء محورًا للحياة والاستقرار.