الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية

يقدم كتاب «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»، للباحث والأكاديمي الأردني دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلى النقد الروائي العربي، من خلال التركيز على جانب أسلوبي وسردي لم يحظَ بالكثير من الدراسات المستقلة، فاتحاً المجال أمام قراءات جديدة تهتم ليس فقط بما تقوله الرواية، بل بكيفية قولها، وبالطرق التي تتشكل بها علاقتها بالقارئ والثقافة والنص.

ويرى الناقد والأكاديمي المغربي دكتور سعيد يقطين في تقديمه للكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) أن رحاحلة «انفرد بنظره فيما باتت تعرفه الرواية العربية منذ الألفية الجديدة، وما صارت تزخر به من استطرادات ثقافية وزخرفة معرفية»، مشيراً إلى أن الكتاب ينطلق من «تصور دقيق للرواية يبحث فيها عما هو زائد وفائض، ولا يخدم النص الروائي بالطريقة الملائمة التي تجعله نصاً جديراً بالقراءة بلا استطرادات زائدة، أو زخرفة معرفية فائضة».

ويقول يقطين إن خصوصية الدراسة تكمن في تجاوزها القراءات التي تركز على المحتوى المعرفي أو الثقافي الذي ترتبط به الرواية، متجهة إلى فحص طريقة اشتغال هذه العناصر داخل النص، ومدى إسهامها في بناء العمل الروائي وجمالياته، مشيراً إلى أن الباحث أفاد في تحقيق أهدافه من التحليل البنيوي للسرد، ومن جماليات التلقي، لتأتي الدراسة بوصفها مقاربة «سردية – أسلوبية» يمكن أن تشكل مدخلاً إلى تطوير فهم السرد وتحليله من جهة الأساليب التي يقدمها النص الروائي.

ينطلق كتاب رحاحلة من رؤية ترى أن الرواية جنس أدبي مفتوح على التجريب والتحول، وأن حريتها في استيعاب مختلف الخطابات والمعارف لا تعني غياب الحاجة إلى الوعي الفني، إذ إن نجاح أي تقنية سردية يرتبط بقدرتها على أداء وظيفة داخل العمل الإبداعي، لا بمجرد حضورها أو كثافتها.

ويبحث الكتاب في ظاهرة «الاستطرادات الثقافية» التي أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الروايات العربية الحديثة، حيث يلجأ الكاتب إلى إدخال موضوعات معرفية متنوعة مثل التاريخ والفلسفة والفنون والعلوم والأفكار العامة، ضمن النسيج الروائي، مركزاً على السؤال الأساسي، وهو: «متى يصبح هذا الحضور الثقافي إضافة فنية للنص؟ ومتى يتحول إلى فائض يشتت القارئ ويضعف الحركة السردية؟».

يتضمن الكتاب ثلاثة فصول رئيسة، تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، يحمل الفصل الأول عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار النظري»، وهو فصل تأسيسي يتناول مفهوم الاستطراد الثقافي من خلال تتبع نشأته ومقارباته النقدية، وينقسم إلى ثلاثة مباحث؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية: تأسيس وتأصيل»، حيث يرصد مفهوم الظاهرة، ويتابع ظهورها في الرواية، ويبحث في جوانبها الإيجابية والسلبية، وصولاً إلى تحديد مفهوم «الاستطراد الثقافي الروائي»، أما المبحث الثاني في الفصل الأول فجاء بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتداخل الأجناسي»، ويتناول العلاقة بين دخول أجناس وخطابات مختلفة إلى الرواية من جهة، وظاهرة الاستطراد الثقافي من جهة أخرى، موضحاً نقاط التشابه والاختلاف بين المفهومين، وتأثير ذلك في تشكيل العمل الروائي، ويختتم الفصل الأول بمبحث بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتناص»، حيث يقارب الكتاب العلاقة بين التناص والاستطراد الثقافي، ويبحث في كيفية توظيف النصوص والخطابات السابقة داخل الرواية، ومدى انعكاس ذلك على بناء السرد.

وينتقل الفصل الثاني إلى الجانب التطبيقي تحت عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار التطبيقي»، حيث يقوم الباحث بتحليل نماذج روائية مختارة للكشف عن مستويات استخدام الاستطرادات الثقافية. وينقسم هذا الفصل إلى مبحثين؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها بنية سردية – نماذج دالة»، ويركز على الأعمال التي نجحت في دمج المعرفة داخل السرد بطريقة تخدم البناء الفني للرواية، أما المبحث الثاني فجاء بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها زخرفة معرفية»، ويتناول الحالات التي تتحول فيها المعرفة إلى عنصر زائد أو منفصل عن حاجة النص، بحيث تصبح عبئاً على السرد بدل أن تكون جزءاً من جمالياته.

ويخصص الفصل الثالث والأخير لدراسة العلاقة بين الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية، ويحمل عنوان «الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية: تحليل وتركيب»، ويتناول علاقة الاستطراد الثقافي بثقافة الكاتب ودوره في توجيه هذه العناصر داخل الرواية، كما يبحث في علاقة الاستطرادات بثقافة القارئ وقدرته على استقبال النصوص ذات الحمولة المعرفية، ويختتم الفصل الثالث بمبحث بعنوان «الاستطرادات الثقافية والنص»، حيث يناقش مستوى حضور الثقافة في الرواية العربية بعد مطلع الألفية الجديدة، وعلاقتها بتغيرات الكتابة الروائية وتطور ذائقة القراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أخبار مشابهة

أطلق مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» النسخة السادسة من «معرض الكتاب للأطفال»، التي تُقام في مقر المركز بالظهران خلال الفترة من 20 إلى 25 يوليو 2026، بمشاركة 52 دار نشر محلية وعالمية متخصصة في أدب الطفل، فيما تحل الجمهورية العربية السورية ضيفاً للشرف على هذه الدورة. ويأتي المعرض ضمن «مهرجان إثراء للصغار»، امتداداً لرسالة […]

تعيش المملكة حاليًا ذروة فصل الصيف مع دخول فترة «جمرة القيظ»، التي تُعد من أشد المواسم حرارة خلال العام، والمعروفة فلكيًا بموسم الجوزاء، فيما لم يتبقَّ سوى نحو 9 أيام على طلوع نجم المرزم، أحد أبرز المواقيت الفلكية في التقويم العربي. وأوضح عضو نادي الفلك والفضاء محمد عناد الهزيمي أن جمرة القيظ تمثل المرحلة الأعلى […]

حقق نادي سباقات الخيل إنجازًا جديدًا بعد قرار الاتحاد الدولي لسباقات الخيل العربية (IFAHR) ترقية كأس الأمير عبدالله الفيصل للخيل العربية الأصيلة إلى تصنيف الفئة الثالثة دوليًا (G3)، في خطوة تعكس التطور المتسارع الذي تشهده سباقات الخيل العربية الأصيلة في المملكة، وتعزز حضورها على الساحة الدولية. وبهذه الترقية، ينضم الكأس إلى أبرز السباقات المصنفة في […]

استعرضت هيئة الفنون البصرية، بالتزامن مع إصدار تقريرها السنوي لعام 2025، أبرز منجزاتها وبرامجها ومبادراتها التي نفّذتها على مدار العام، وأسهمت من خلالها في دعم قطاع الفنون البصرية وتمكين الفنانين والممارسين، وتعزيز حضور الإبداع السعودي محلياً ودولياً. واستقطبت معارض الهيئة وبرامجها ومبادراتها خلال العام أكثر من 33,100 زائر، كان من أبرزها معرض «سيرة ومسيرة» الذي […]

تنظّم هيئة الأدب والنشر والترجمة الحفلَ الختامي لمبادرة “الشريك الأدبي” في نسختها الخامسة (2025 – 2026)، مساء الجمعة الموافق 24 يوليو، بمركز الملك فهد الثقافي في الرياض، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين وشركاء المبادرة وممثلي الجهات الثقافية والإعلامية. ويُتوّج الحفل عاماً حافلاً بالعطاء الأدبي، شهدت فيه المبادرة توسعاً نوعياً بإضافة أربعة مسارات جديدة إلى جانب […]

دشّنت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة أولى أمسيات صالون المهرة الثقافي، بدعم من الأميرة دعاء بنت محمد، مستضيفةً البروفيسور حسن محمد النعمي في أمسية حملت عنوان «مسيرة ثقافة وسيرة وعي»، أدارها مدير الجمعية محمد بن إبراهيم آل صبيح، وسط حضور نخبة من المثقفين والأدباء والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي. ويُعدّ البروفيسور حسن النعمي أحد أبرز […]